أهم الاخبار

استطلاع

احصائيات الموقع

زيارات اليوم: 119
جميع الزيارات: 32242

هل ان الثقافة ضرورة حياتية

مقالة :رضا العطار نشر بتاريخ : 8/02/2017 - 15:06

 

 

لا اعتقد انه من المفيد كثيرا الدخول في التعريفات النظرية المختلفة لمفاهيم (الثقافة)، فالتعريفات متوفرة في مراجعها

وما نريده تطبيقا لهذه المفاهيم على اوضاعنا الاجتماعية والثقافية المعاشة القائمة اكثر مما هو صياغات نظرية مكررة ومتداولة لهذه المفاهيم.

ان (الثقافة) اذا كانت ستنمو وتزدهر في مجتمع ما فيجب ان تكون من المتطلبات الحياتية والمعيشية لافراد ذلك المجتمع ومن ضروريات العمل الانتاجي باختصار (احتياجا معيشيا لا غنى عنه).

ففي المجتمعات الحديثة المتقدمة يتحتم القيام بعمل ثقافي هائل ـ بحثا وابداعا ومعاناة ـ لبلورتها واثباتها وجعلها جديرة بتقبل العقل الجماعي للمجتمع. هكذا حدث في فجر الثورة العلمية وفجر الثورة الصناعية وفجر الثورة الفرنسية وفي فجر الرأسمالية وفجر الاشتراكية وغيرها. فهل احتاجت وتحتاج طروحاتنا العامة من قيم وافكار سائدة من حيث نزعيتها وطبيعتها وتاريخها الى مثل ذلك الجهد الثقافي ؟ وهل تتقبلها عامة المجتمع لانها مبررة ومفسرة ثقافيا . . ام يحدث القبول لاعتبارات اخرى.

حتى على صعيد الافراد المؤثرين الذين لا يصنفون فنيا بشكل دقيق تحت باب المثقفين، نرى ان العطاء الثقافي في المجتمع الحديث المتقدم شرط لا بد منه للاستحقاقات المجتمعية الاخرى التي لا تدخل عادة في تصنيف الثقافة.

الم تمهد ابحاث كيسنجر في التاريخ الدبلوماسي الاوربي اساسا لتسلمه المنصب القيادي الذي استلمه ؟

وتشرشل من قبله باسلوبه التعبوي النافذ وميتران من بعده بقائمة الكتب التي الفها قبل ان يصبح رئيسا. وهل كان يمكن لظاهرة غورباتشوف ان تصبح يمثل هذا الامتداد في بلاده والعالم لو لم يسبقها كتابه الفكري في (اعادة البناء).

مؤدي هذه الامثلة، ان الثقافة لتتجذر في مجتمع ما يجب ان تكون مرتبطة باحتياجاته الحياتية الاساسية وما لم تكن كذلك فانها ستبقى ديكورا في احسن الحالات . . العمل الثقافي في الجاهلية كان قضية وجود للقبيلة . . العمل الثقافي الفقهي والتفسيري والكلامي في الاسلام كان قضية حياة وسلوك المسلمين في دنياهم.

فهل تحتل الثقافة في مجتمعاتنا مثل هذا الدور ؟ وهل يخسر الفرد في هذه المجتمعات شيئا اساسيا من موقعه ومركزه ودخله لو اهمل الثقافة ولم يكلف نفسه عناءها ؟

انني اقصد بالتحديد ان يكون الانتاج الثقافي للفرد شرطا من شروط موقعه في المجتمع وبمعنى ان يكون الانتاج الثقافي جزءا من الانتاج الاقتصادي والانتاج المجتمعي العام لا يتم إلا به.

ثم يبقى اخيرا ان قضية الثقافة قضية معاناة وقضية اختيار مسؤول وقضية تفرض على من يأمن بها ان يتحمل تبعاتها دون مواعظ. وبامكان المثقف ان يبكي طوال اليوم. بامكانه ان ينفجر سخطا على طريقة تركيب العالم. ولكن دموعه وسخطه لن تغير التركيبة. عليه ان يفهم هذه التركيبة اولا. خاصة التركيبة المتعلقة بخصوصية أمًته ومجتمعه. عليه ان يعيها ويحللها. ان يشخصها ثم يقترح تطويرها في واقع الناس وليس في خياله المتعب فحسب.

الهرب من هذه المهمة هو اكبر تعبير عن فشل المثقف العربي ولن يرسل اليه احد باقة زهور. اذا كان مؤمنا بقضيته كمثقف، فعليه ان يتعايش مع اشواكها طويلا. ولكن الزهور الحقيقية ستنمو بين يديه في الربيع القادم بعد معايشة تلك الاشواك.